وهبة الزحيلي
33
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
التفسير والبيان : يأمر اللّه تعالى الأمة الإسلامية بأن يكون منها جماعة متخصصة بالدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ، وأولئك الكمّل هم المفلحون في الدّنيا والآخرة . وتخصص هذه الفئة بما ذكر لا يمنع كون الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر واجبا على كلّ فرد من أفراد الأمّة بحسبه ، كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « من رأى منكم منكرا فليغيّره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان » ، وفي رواية : « وليس وراء ذلك من الإيمان حبّة خردل » . و روى أحمد والترمذي وابن ماجة عن حذيفة بن اليمان رضي اللّه عنه أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « والذي نفسي بيده لتأمرنّ بالمعروف ، ولتنهون عن المنكر ، أو ليوشكنّ اللّه أن يبعث عليكم ، عقابا من عنده ، ثّم لتدعنّه فلا يستجيب لكم » . وكان الواحد من السّلف الصالح لا يتوانى في هذا الواجب ، ولا يخشى في اللّه لومة لائم ، فقد خطب عمر على المنبر قائلا : « إذا رأيتم فيّ اعوجاجا فقوّموه » فقام أحد رعاة الإبل ، وقال : لو رأينا فيك اعوجاجا لقوّمناه بسيوفنا . ولا تكونوا أيّها المؤمنون كأهل الكتاب الذين تفرّقوا ، في الدّين ، وكانوا شيعا ، واختلفوا اختلافا كثيرا ، من بعد ما جاءتهم الأدلّة الواضحات التي تهديهم إلى السبيل لو اتّبعوها ، لأنهم تركوا الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ، فاستحقّوا العذاب العظيم في الدّينا والآخرة ، أما في الدّنيا فيجعل بأسهم بينهم شديدا ، ويذيقهم الخزي والنّكال ، وأما في الآخرة ففي جهنم هم فيها خالدون ، ونظير هذه الآية قوله تعالى : لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ، ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ ، كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ ، لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ [ المائدة 5 / 78 - 79 ] .